السبت، 21 ديسمبر 2013

الرد المختصر على خطبة السيد كامل الحسن

استمعت إلى خطبة الجمعة للسيد كامل الحسن والتي تعرض فيها إلى ما طرحه الشيخ ياسر الحبيب عن بعض الشخصيات التاريخية في شهر محرمٍ الحرام كابن الحنفية والمختار الثقفي، وكذلك تعرضه لخطبة آية الله السيد أحمد الشيرازي ضمنياً في آخر الخطبة؛ وقد خرجنا بستة إشكالات نرد فيها ما جاء به:

أولاً: ذكر السيد كامل الحسن أن الأمويين وضعوا "روايات" وشبهات على أهل البيت ع لكي يقول الناس أن أهل البيت ع لم يتربوا تربية صالحة.

والإجابة على ذلك؛ نقول أن على افتراض صحة ما قاله كامل الحسن بأن الأمويين وضعوا تلك الشبهات؛ فهذا الأمر لا يعصم أبناء الأئمة عليهم السلام من الإنحراف والإبتعاد عن جادة الصواب بعيداً عن موقفنا من ابن الحنفية سلباً أو إيجاباً. فالنبي نوح ع كان ابنه عاصياً لله تعالى وقصته مذكورة في القرآن الكريم. {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} سورة هود. إذاً رغم أن أباه كان نبياً عظيماً؛ إلا أنه لم يعصمه من الإنحراف. فهل يقول قائل أن النبي نوح ع لم يربي ابنه تربية صالحة (والعياذ بالله؟). وقبل كل ذلك قصة قابيل ابن نبي الله آدم ع والذي قتل أخاه هابيل بغياً وعدواناً. وكذلك مسألة جعفر ابن الإمام علي الهادي ع، والمعروف بجعفرٍ الكذاب -لسنا بصدد التحقيق في توبته أم لا-، فهذا الأمر ينطبق على ابن الحنفية كذلك، فكما أن هناك روايات تمدحه، هناك روايات تذمه، على الرغم من أن الشيخ ياسر الحبيب متوقف في شأنه -لا يترحم عليه ولا يلعنه-. وبالتالي فإن ما ذكره السيد كامل الحسن لا يصمد أمام الواقع.

ثانياً: استشكاله على كيفية عدم معرفة محمد ابن الحنفية بإمامة السجاد ع.

والإجابة على ذلك؛ إن معرفة ابن الحنفية بإمامة السجاد ع لا يمنع في أن ينازعه الإمامة، فكما أن القوم الأولين قد عرفوا حق المعرفة بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع وبايعوه بغدير خم أيضاً؛ إلا أنهم انقلبوا على أعقابهم واغتصبوا الخلافة منه {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} سورة النمل. ومورد الشاهد في ذلك؛ أن المعرفة بالشيء لا ينفي المنازعة على الإمامة خصوصاً بعد نفينا لعصمته من الزلل والخطأ كما تقدم. وقد بين الشيخ ياسر الحبيب جميع الأوجه المحتملة لابن الحنفية في محاضرة ليلة الخامس من محرم  الحرام فافهم.

ثالثاً: تفسيره لقول الإمام الحسين ع (من لحق بي استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح) واستشهاده بإن الإمام السجاد لم يستشهد.

لقد فسَّر السيد كامل الحسن كلمة الإمام الحسين ع مبرراً بقاء بن الحنفية في المدينة المنورة وعدم التحاقه بالإمام الحسين ع بكربلاء. وقد استدل بأن هناك من كان في ركب الإمام ع ولم يستشهد كالإمامين السجاد والباقر ع.

والإجابة على ذلك؛ صحيح أن الإمامين السجاد والباقر ع لم يستشهدا في كربلاء، ولكن هل المقصود بكلمة الإمام الحسين ع أن الجميع سيقتل ويستشهد؟ إن الإمام ع كان يريد أن يعطي إشارة إلى أن ذهابه لكربلاء للموت والاستشهاد فقط لا غير، كقوله عليه السلام (شاء الله أن يراني قتيلا). والشيء الآخر الذي يفهم من الكلمة هو الكثرة والغلبة، بمعنى أن أغلب الركب سيستشهد، لا كما فسرها الحسن في خطبته. وإن كان هناك من يستدل بذلك التفسير من العلماء لصلاح ابن الحنفية، إلا أن هناك شواهد كثيرة في تاريخ ابن الحنفية بخلاف ذلك ويجب الوقوف عندها وقفة تأمل جادة.

رابعاً: تحدثه عن علم الأصول وسند الأحاديث ورد الروايات الضعيفة.

والإجابة على ذلك؛ إن علم الأصول وسند الأحاديث علم غزير ويحتاج إلى محققين لفهم الروايات وتعارضها وترجيح احداها على الأخرى. ومن ثم ليس كل رواية ضعيفة ترد ويضرب بها عرض الحائط. وإلا لو عملنا بذلك فذلك يعني رد أغلب روايات مقتل سيد الشهداء الإمام الحسين ع والتي هي ليست بصحيحة السند وفقاً لعلم الرجال. لذلك؛ وضع الروايات الصحيحة والضعيفة في الميزان هو من شأن المحققين، ولا ضرر في نشرها بمختلف الوسائل الإعلامية بغية توعية الناس من عدم الإنخداع في شخصياتٍ تاريخية، فالحق أحق أن يتبع. 

خامساً: تعرضه لخطبة الجمعة لآية الله السيد أحمد الشيرازي بعنوان (العالم المقدس) وتحريفه للمقصود من تلك الخطبة.

والإجابة على ذلك؛ كانت خطبة آية الله السيد أحمد الشيرازي تتمحور حول التعرض ولعن "مدعي المرجعية" مستدلاً بشواهد كثيرة، كعلي بن محمد الشلمغاني الذي ورد اللعن عليه من الإمام المهدي -عجل الله فرجه- وهو أحد أكبر مراجع الشيعة في زمانه. غير أن السيد كامل الحسن أبعد تلك الخطبة عن مسارها الصحيح، حيث فسّرها بهواه على أن المراد منها "لعن المراجع" لمجرد الإختلافات بالفتاوى؛ ليخدع البسطاء من العوام وليوهمهم أن هناك مؤامرة تحاك لتسقيط المراجع! وهذا غير صحيحٍ البتة، فالخطبة كانت تتحدث عن مدعي المرجعية لا المراجع العدول الجامعين للشرائط. وظاهراً يبدو أن السيد كامل لم يستمع للخطبة أساساً أو أنه استمع لمقتطفاتٍ منها، أو أنه نقل ما أملوه عليه، وإلا لما كان يقول ما قاله ويضع نفسه في موقفٍ محرج.

سادساً: ذكره أن التبرع لقناة فدك "حرام شرعاً" والمتبرع لها كمن اشترى خمراً أو أسس داراً للبغاء.

والإجابة على ذلك؛ لقد نصّب السيد كامل الحسن نفسه مرجعاً مصدّراً للفتاوى -وهذه طامة كبرى-، ولا أعلم بأي دليل استدل على ذلك؟! والصحيح هو أن "من افتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض". ثم إن هذا المنطق والإسلوب لم نسمعه إلا من الوهابية. ويبدو أن الحالة انتقلت لبعض معممي الشيعة.

أخيراً، من يستمع لخطبة السيد كامل الحسن يعرف تماماً أنه لم يستمع إلى سلسلة بحوث الشيخ ياسر الحبيب بشكلٍ مفصل التي تحمل عنوان (الإفتتان الخطر بالحسين عليه السلام)، وإلا لما كان يذكر تلك الإشكالات والتي أجاب عنها الشيخ الحبيب بشكلٍ موسع ومفصل. وهذا الأمر لا يعني أنه يجب عليه موافقة الشيخ الحبيب فيما يقوله، وإنما البحث والتحقيق مفتوح في تلك الشخصيات بالأدلة والعلم والمنطق؛ لا بسفاسف الكلام الخالي من تلك الأمور. مع العلم أن الشيخ ياسر الحبيب -نصره الله- لم يأتِ بشيءٍ جديدٍ من عنده، وإنما الأمر مطروحٌ في الساحة العلمية منذ سنواتٍ طوال. إلا أن الشيخ الحبيب أعاد طرحها بكثير من التفصيل خصوصاً وأنه ضليعٌ في علم الرجال والدراية، ومحاضراته وبحوثه تشهد له بذلك. لا كما يزعم البعض بخلاف ذلك.

الأربعاء، 18 ديسمبر 2013

عاجل إلى شيعة أمير المؤمنين: لا تتركوا الزيارة .. ولا تستمعوا للشياطين


شهدت مدينة كربلاء المقدسة يوم أمسٍ الثلاثاء سلسلة تفجيرات وعمليات إرهابية مستهدفةً زوار أبي عبد الله الحسين -عليه السلام- لثنيهم عن زيارة العتبات المقدسة لأهل البيت -عليهم السلام-. وقد نتج عن تلك العلميات الإرهابية المتفرقة استشهاد الطفلة تقى الجشي (رضوان الله تعالى عليها) في مدينة سامراء المقدسة حيث مرقد الإمامين العسكريين -عليهما السلام-. 

إن هذه الأعمال الإرهابية والإجرامية ليست وليدة اللحظة وليست وليدة اليوم، وإنما هي منذ استشهاد الإمام الحسين -عليه السلام- وأهل بيته وأصحابه -سلام الله عليهم-، في ظل توالي الحكومات الظالمة التي سعت جاهدةً لمحو اسم الإمام الحسين -عليه السلام- ومرقده الشريف، ومنع زيارته؛ إلا أن كل تلك المحاولات باءت وستبوء بالفشل. فقد قالت عقيلة الهاشميين السيدة زينب -عليها السلام- مخاطبةً طاغية ذلك العصر يزيد بن معاوية -لعنهما الله- (فكِدْ كَيْدكَ واسْعَ سَعْيَكَ وناصِبْ جُهْدَكَ، فواللهِ لا تَمحْو ذِكرَنا، ولا تُميتُ وَحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تُرحِضُ عنك عارَها؛ وهل رَأيُك إلاّ فَنَد، وأيّامُك إلاّ عَدَد، وجَمْعُك إلاّ بَدَد، يومَ يُنادي المنادِ  أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). فها هو ذكر الإمام الحسين -عليه السلام- يجوب أقطار العالم رغم مرور أكثر من ألف وثلاثمائة عامٍ على استشهاده، وفي المقابل أين ذكر يزيدٍ -لعنه الله- وبقية الطواغيت؟!

من جهةٍ أخرى، لقد تعامل أهل البيت -عليهم السلام- مع القضية الحسينية بكل دقة وعناية، لذلك تجد أنهم يأمرون الناس وأصحابهم بعدم ترك زيارة أبي عبد الله الحسين -عليه السلام- مهما كانت الظروف والأخطار. فزيارة الإمام الحسين -عليه السلام- لا تسقط أبداً حتى مع وجود الخوف والخطر. يقول الإمام الصادق -عليه السلام- في حديث طويل مع ابن بكير "أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين -عليه السلام- تحت العرش ..". وغيرها من الأحاديث الشريفة التي تحث على زيارة المولى أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-. وهذا كله استثناء للقضية الحسينية المقدسة؛ والتي هي استثناء في كل شيء. 

ولكن للأسف أننا نجد من يخرج ويأمر الناس في هذه الفترة بعدم الذهاب لزيارة الإمام الحسين -عليه السلام- بسبب العمليات الإرهابية! هؤلاء الذين لم يفهموا تلك القضية المقدسة ولم يقرأوا أحاديث الأئمة -عليهم السلام-؛ أصبحوا يفتون الناس بما لم يأمر به الأئمة -عليهم السلام- ولا المراجع العظام. إن تلك الأشخاص لا تقلُ أعمالهم عن تلك الأعمال الإجرامية التي يقوم بها الإرهابيون، فكلهم هدفهم تثبيط الناس المؤمنين من الزيارة؛ وإن اختلف اللون والمظهر.

لذلك؛ على الأخوة المؤمنين عدم ترك زيارة الإمام الحسين -عليه السلام- حتى وإن استشهد الآلاف في هذا الطريق المقدس، ولا تستمعوا لتلك الأبواق الشيطانية التي لا تريد الخير لكم. فنحن جميعاً منذ أنْ كنا صغاراً نهتف ونصيح (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً) والذي يتمنى أنه كان مع الإمام الحسين -عليه السلام- في كربلاء؛ لا يتوقع إلا الموت والشهادة، لا شيء آخر. هلِّموا لزيارة الإمام الحسين -عليه السلام- للفوز بالدارين، واشملونا بخالص دعاءكم.

الأربعاء، 20 نوفمبر 2013

فليمت الآلاف في سبيل احياء الشعائر الحسينية

حث أئمة أهل البيت عليهم السلام على احياء مراسم عاشوراء الإمام الحسين -عليه السلام- بشتى أصنافها في أحاديثهم ورواياتهم في فضل زيارة عاشوراء وما لها من أجرٍ عظيم ومنزلة لا ينالها إلا زوار أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-.

إن هذا الحث والإصرار من الأئمة -عليهم السلام- على شيعتهم والموالين لهم هو الذي أوصل قضية الإمام الحسين -عليه السلام- إلينا وأبقاها ذكرى خالدة منذ يوم العاشر من شهر محرم الحرام لعام 61 هـ ليومنا هذا، فترى المؤمنين يحييون هذه الذكرى الأليمة في شتى بقاع العالم ملتزمين بقول الأئمة -عليه السلام-. يقول الإمام الصادق -عليه السلام- في حديثٍ له مع فضيل"أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا"[بحار الأنوار ج44 ص282 حديث14]. وما هذه المجالس التي تُعقد في الإمام الحسين -عليه السلام- إلا مصداق لهذا الحديث الشريف.

إن الأئمة -عليهم السلام- ذهبوا إلى أبعد من ذلك في مسألة الإمام الحسين -عليه السلام- وقضية كربلاء، فعندما يصرّح الإمام الحسن المجتبى -عليه السلام- قائلاً "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله"؛ تأتي روايات الأئمة -عليهم السلام- لتؤكد أن هذا اليوم وهذه الفاجعة هي استثناء وليس لها نظير أبداً. لذلك لم يأمروا الأئمة -عليهم السلام- باحياءها فقط وإنما احياؤها بالبكاء والتباكي الشاملة لمغفرة الذنوب وإن كانت كزبد البحر؛ حتى وإن كانت تلك الدمعة مثل جناح الذبابة! [بحار الأنوار ج44 ص285] أفلا يُعد هذا الأمر سراً غيبياً؟ فما قيمة هذه الدمعة حتى تغفر الذنوب لولا أن الأئمة -عليهم السلام- يريدوا بذلك بقاء هذه القضية المفجعة في قلوب المؤمنين وألا تكون في طي النسيان، لذلك يقول الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله- "إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا.. لا يذكره مؤمن إلا بكى" [مستدرك الوسائل ص318].  ولا يسع المقام لذكر كل الأحاديث التي تحث على البكاء والتباكي على مصيبة أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-.

 وكثيرٌ هي روايات الأئمة -عليهم السلام- في الحث على زيارة أبي عبد الله الحسين -عليه السلام- ووجوبها على الرجال والنساء أيضاً. يقول الإمام الصادق -عليه السلام- "يا أم سعيد تزورين قبر الحسين عليه السلام؟ قالت: قلت: نعم، قال: يا أم سعيد زوريه فإن زيارة الحسين واجبة على الرجال والنساء" [وسائل الشيعة ج14 ص437]. وما لفظة الوجوب في هذا الحديث الشريف إلا إصرار من الأئمة -عليهم السلام- لبقاء قضية عاشوراء باقية ما بقي الدهر.

بل إن زيارة الإمام الحسين -عليه السلام- وصلت إلى أنها لا تسقط حتى وإنْ صاحبها الخوف والخطر! حيث يقول الإمام الصادق -عليه السلام- في حديث طويل مع ابن بكير "أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين -عليه السلام- تحت العرش .." [كامل الزيارات ص243].

ولذلك تجد أن زوار الإمام الحسين -عليه السلام- لم يتوقفوا عن الزيارة منذ مقتل الإمام الحسين -عليه السلام- وحتى يومنا هذا، رغم سعي الحكومات المتتالية لمنع المؤمنين من أداء الزيارة واستخدامهم شتى أنواع التعذيب من قطع الأيدي والأرجل والسجن والقتل كما كان في عهد المتوكل العباسي "لعنه الله"، وصولاً بتفجير السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، فذهب الكثير من المؤمنين شهداء في سبيل احياء شعائر الإمام الحسين -عليه السلام-.

يقول المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي -دام ظله "إن الهدف من ذلك (أي الشعائر الحسينية) هو بيان وتأكيد أنه لماذا قتل الإمام الحسين صلوات الله عليه. وهذا الذي يجب أن يبقى حيّاً وخالداً وإن استوجب أو أدّى إلى قتل الألوف من المؤمنين والمؤمنات ومن الأتقياء والصالحين" [الشيرازي]إن هذه الأرواح التي تزهق وتمسّك المؤمنين بأداء الشعائر الحسينية المقدسة هي التي أبقت قضية مقتل الإمام الحسين -عليه السلام- خالدةً لهذا اليوم.

ومع كل هذه الروايات التي تحث على زيارة الإمام الحسين -عليه السلام- مع الخوف والخطر؛ تجد من يشنّع على المؤمنين لقيامهم بذلك، متجاهلين كل تلك الروايات من الأئمة -عليهم السلام- وآراء المراجع العظام، ومتجهين للعقل والاستحسان اللذان لا يصمدان مع جميع الممارسات الدينية كالصلاة والحج على سبيل المثال.

وهذا الأمر ينطبق على شعيرة التطبير المقدسة والتي روَّج ضعاف النفوس في الأيام الماضية عن وفاة أحد المطبرين في يوم العاشر! وقاموا بالتطبيل والتهريج بهذا الخبر، غير أن الواقع قد أخرسهم بعد كشف بطلان هذا الخبر.

ومع ذلك، لو أن ذلك المطبر قد توفي بسبب التطبير؛ هل يستدعي أنْ يُشنَّع على ممارسة هذه الشعيرة المقدسة؟ ولو فرضنا جدلاً أنه مات؛ فالموت يأتي في أي حالة كنت عليها. فهناك الكثير ممن مات في موسم الحج؛ فهل يتم التشنيع ضد هذه الشعيرة بسبب موت بعض الحجاج؟! يقول آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي -دام ظله- بهذا الخصوص "حتى في موسم الحجّ يموت بعض الحجّاج، وهذا أمر بديهي وطبيعي، وكذلك قد يموت بعض اللاطمين في عزاء اللطم، ولكن هذا لم يحصل في تلك الشعيرة (التطبير) أبداً". ويكمل دام ظله "نعم، ليس المبنى أن تحدث معجزة في الشعائر الحسينية المقدّسة دائماً. فإن تعرّضتم أيها المقيمون للشعائر الحسينية المقدّسة لمشكلة أو أذى فلا تهتموا لذلك" [الشيرازي]

أخيراً، إن أي قضية مقدسة تحتاج إلى زهق الأرواح وبذل الأنفس من أجل احياءها، فما بالنا بقضية كقضية عاشوراء الإمام الحسين -عليه السلام- والتي هي استثناء في كل شيء! فهناك كثير من الشخصيات ضحّت بنفسها في قضايا لا تمت للدين بصلة؛ إلا أنها تعتبر رمزاً من الرموز ويفتخرون بها! غير أن الأمر يُعد قبيحاً في نظر البعض إذا ارتبط ذلك بالإمام الحسين -عليه السلام-. لذلك يجب على المؤمنين ألا يهتموا لتلك الأصوات النشاز؛ فالأجر على قدر المشقة و"من المؤسف أن لا يتعرّض الإنسان حتى لمشكلة واحدة في سبيل إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة. ولذا على الذين يتعرّضون للمشاكل أن يفرحوا ويسرّوا، ولا ينزعجوا ولا يتأذّوا[الشيرازي].

السبت، 2 نوفمبر 2013

النظرة السلبية الإنتقائية في شهر محرم الحرام



ما إنْ تقترب أيام محرمٍ الحرام إلا وتأتيك النصائح من كلِ حدبٍ وصوب، تارةً تكون هذه النصائح موجهةً للنساء وعن الحشمة وما إلى ذلك من نصائح تخصهن. وتارة تكون النصائح للشباب ودورهم في أيام عاشوراء الحسين -عليه السلام-، وحتى المضائف لم تسلم من تلك النصائح، خاصة أن الموجهين لتلك النصائح يريدوا (حسب رؤيتهم) أن يُظهِروا موسم عاشوراء بشكلٍ حضاري ومتفق مع القيم والمبادئ الإسلامية.

كل ذلك لا خلاف عليه؛ ولا يوجد شك في نواياهم، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كل تلك النصائح لا نجدها إلا في موسم عاشوراء؟ ولماذا لا نجدها في مواسم أخرى؟ إننا قد نتفق معهم على أن موسم عاشوراء حالة خاصة واستثناء، ولكن ألا تعد تلك النصائح من القيم والمبادئ الإسلامية التي من المفترض أو الواجب أن يكون الجميع ملتزماً بها على مدى الأيام والأزمان؟! لا فقط في موسم عاشوراء!

هناك كثيرٌ من المخالفات الشرعية التي تحدث على مسمع ومرأى الجميع، غير أننا لا نجد تلك النصائح بذاك الكم الهائل الذي يظهر بموسم عاشوراء! وخير مثال على ذلك، تلك المهرجانات التي تقام سنوياً في المنطقة والتي بها الغث والسمين وانتهاك للحرمات، غير أننا نجد التصفيق والتطبيل لها بداعي الإنفتاح والتحضر! 

لم نسمع أحداً قد انتقد تلك المهرجانات وما بها من أمور يندى لها الجبين، كما لم تخرج أي نصيحة موجهة للنساء أو الشباب للالتزام بالمبادئ والقيم!  إلا القليل من المؤمنين الذي لم يُسمَع صوتهم أمام تلك الأصوات الصاخبة والتصفيق غير المبرر لتلك المهرجانات. 

من جهة أخرى، يطالب البعض المضائفَ من تقليل الوجبات التي تطبخ باسم الإمام الحسين -عليه السلام-، والسعي لاعطاء مساعدات مالية وطبية للمحتاجين عوضاً عن الوجبات، حيث أن الفقراء والمحتاجين بحاجة للمادة أكثر من الوجبات. قد يكون الأمر صحيحاً، ولكن هل تلك المضائف الحسينية وظيفتها مساعدة المحتاجين مادياً؟ 

إن هذه الفكرة لا تختلف عن فكرة استبدال الناصفة "الروبيان والحلويات" بالعملة النقدية -التي انتشرت قبل عام تقريباً-؛ بحجة المحافظة على صحة الأطفال! وكأن الأطفال صحيين في كل الأيام ما عدا بناصفة شهري شعبان ورمضان.

كذلك، لا أعلم لماذا يتم المطالبة بالترشيد والتقليل بمضائف الإمام الحسين -عليه السلام- فقط! ونحن نرى كيف هو التبذير في ولائم الأعراس والمناسبات العائلية والمؤتمرات واللقاءات الإسلامية! فهل الأمر حرام مع مضائف الإمام الحسين -عليه السلام- وحلال في تلك المواضع؟! أليس من الأولى تقديم النصيحة لهم ؟!

إن مساعدة الفقراء أمرٌ واجب وعلى الجميع المشاركة فيها، إلا أن هناك جمعيات خيرية مخصصة للفقراء يجب أن يوجه لها السؤال في حال تقصيرها تجاه أي فقيرٍ في البلدة، أما مطالبة المضائف بتقليل الوجبات لمساعدة الفقراء فهذا يعني إلغاء هذه النعمة في المستقبل ولكن بصورة تدريجية كما يبدو ذلك في كل شعائر الإمام الحسين -عليه السلام-.

يقول الإمام أبو الحسن -عليه‌ السلام- (من موجبات المغفرة إطعام الطعام). [وسائل الشيعة 21680 ص 329 ]، فكيف إذا ارتبط هذا الطعام باسم المولى الإمام الحسين -عليه السلام-؟ وهو من الأمور المستحبة لا شك ولا ريب كما ذكر مراجعنا العظام بهذا الخصوص في فتاواهم.

وإن سلَّمنا أن هناك إسراف، فبالامكان عمل لجان أهلية لتوزيع الأطعمة على المؤمنين وحتى المقيمين في نفس المنطقة. وهناك العديد من المقترحات في هذا المجال الذي لا يسع المقال لذكرها، ولها بحثها الخاص. والتي تغنينا عن الحد أو التقليل من تلك الوجبات التي هي بركة وطهر للبطون والنفوس في آنٍ واحد.

إن الأمر المضحك والمبكي في نفس الوقت أن أحد المهرجانات في المنطقة استهلك ما يقارب 50 ألف ريال لرمي "الدوخلات" في مياه الخليج في عادة اجتماعية سنوية قديمة ليست لها بعد ديني![1]. ومع ذلك لا نجد اي اعتراضٍ على ذلك الأمر، وهذا يعني أن مئات الآلاف ترمى دون حسيب أو رقيب. بل نجد أن هناك من يتفاخر بذلك كونه مشاركاً أو مساهماً في هذه العادة! ألا يجب صرف هذه المبالغ على الفقراء والمحتاجين؟ أم أن الأمر متعلق فقط بشعائر الإمام الحسين -عليه السلام-!

إننا حقيقة لا نلتفتُ إلى تلك الأمور التي ضيعت هوية البلد الشيعي من مهرجانات ومحافل وطرب صاخب، إلا أننا متيقضون وواعون جداً لتلك الأمور المرتبطة بالإمام الحسين -عليه السلام- ما إنْ يقترب موسم عاشوراء الحسين -عليه السلام-! حتى أصبح عاشوراء في مخيلة البعض أنه موسم المخالفات الشرعية؛ لا موسم العَبرة والعِبرة!

نعم، إننا بحاجة ماسة لتقديم النصائح والإرشادات للأخوة والأخوات، ولكن لا يكون ذلك انتقائياً لموسم ٍدون آخر، وإلا فــ {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى}.

نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ممن يبذلون الغالي والنفيس لحضرة المولى أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-، وأن يجعلنا ممن يقتدون بنهجهم صلوات الله عليهم وسلامه.

الاثنين، 28 أكتوبر 2013

رداً على رسالة التحذير بخصوص شعيرة التطبير


لا شك أن قوى الاستكبار العالمي وأعداء الإسلام يبحثون عن أي خلافٍ بين المسلمين أو بين أتباع المذهب الواحد، وذلك من باب "فرّق تسد" ويسعون جاهدين لتفتيت الأمة لإنجاح مخططاتها. غير أن هناك شخصيات من نفس المذهب تقدم لهم تلك الخلافات على طبقٍ من ذهب عن قصد أو غير قصد!

إن شعيرة التطبير المقدسة التي يقوم بها المؤمنين، قد أفتى مراجع الأمة العظام باستحبابها مواساة للمولى أبي عبد الله الحسين وأهل البيت عليهم السلام.

فالبيان أو الرسالة التي نُشرت في الآونة الآخيرة؛ وإن كان مضمونها جميل ونية صادقة، غير أنها لا تداوي الجرح -إن صح التعبير-. فمن يصف شعيرة التطبير بأنها طقوس وثنية، أو ذاك الذي يفتي بأنها تشوه المذهب والإسلام، أو من يريد دفن المؤمنين في "بالوعة" جميعهم ممن ينتسب للمذهب الشيعي! فإذا كان من ينتسب للمذهب الشيعي يتضارب مع من ينتمون لنفس المذهب؛ فهل تريد من قوى الإستكبار وأعداء الإسلام أن يبقوا متفرجين؟ حتماً لا!

إذاً، ما دامت هناك شخصيات في المذهب الشيعي تحارب الشعائر الحسينية والتطبير على وجه الخصوص فلا تنتظر اخماداً لهذا الخلاف، فاتباع محاربي الشعائر سيعملون كما يروه من كبارهم، وهذا ما نجده واضحاً منذ أسابيع بترويجهم لفيلم ضد شعيرة التطبير المقدسة.

كما أن المطبرين لا يقبلوا أن تصف أعمالهم بأنها وثنية أو أنها تشوه الإسلام، فهم أيضاً يتبعوا مراجع عظام قد أفتوا باستحباب التطبير لهم، فهل هؤلاء المراجع لا يعلموا أنها تشوه المذهب؟! 

إن هذا المخطط المظلم (كما جاء في الرسالة) سيفشل بالتالي:

١- توقف من ينتمي للمذهب الشيعي في محاربته للتطبير والمطبرين.
٢- سحب الفتاوى التي تدين التطبير وتحرمه وتصفه بأنه يشوه المذهب.
٣- السماح لمواكب التطبير بالخروج في الدول التي تدعي أنها إسلامية، وعدم ملاحقة المطبرين وقتلهم أو زجهم بالسجون.

وعليه، نرجئ اتهامنا لقوى الاستكبار بهذا الخلاف بين الشيعة إلى أن تتحقق النقاط الثلاث بالأعلى.

والله ولي التوفيق

الأحد، 27 أكتوبر 2013

الإضراب عن الطعام والتطبير!




يلجأ كثير من الناشطين السياسيين والحقوقيين وكذلك المعتقلين في السجون إلى فكرة الإضراب عن الطعام والتي تمتد في بعض الأحيان لعدة شهور من أجل الحصول على بعض المطالب وكسب القضايا المنشودة والتي من أجلها إلتجؤا للإضراب عن الطعام، وهي تعد احدى وسائل المقاومة السلمية للضغط على الحكومات.

إن فكرة الإضراب عن الطعام ليست وليدة اليوم، وإنما تعود إلى ما قبل ٧٥٠ قبل الميلاد. وقد اشتهرت الهند بهذه الممارسة، وطبقها الإيرلنديون في احتجاجاتهم ما قبل المسيحية، وغيرها من دول العالم؛ لذا فهي عالمية الممارسة -إن صح التعبير-.

ومن الناحية الطبية، فتشير بعض التقارير إلى أن هناك الكثير ممن توفوا بسبب ممارسة الإضراب عن الطعام الممتدة لأكثر من شهر، وذلك لأن الجسم يفقد الكثير من الطاقة، وتفقد العضلات والأجهزة الحيوية مصدر طاقتها.

ومع ذلك، نجد كثير من الناشطين السياسيين والحقوقيين يمارسون هذا العمل رغم أنه يعد مضراً لهم، وذلك فقط لتحقيق أهدافهم والتي غالباً ما تكون أهدافاً دنيوية بحتة. فالمؤمن بفكرةٍ ما مستعدٌ لأن يخاطر بنفسه وتعريضها للموت؛ حتى وإن لم ينل مراده في أكثر الأحيان.

إن المفارقة العجيبة والغريبة عندما نجد هؤلاء الناشطين الذين يمارسون الإضراب عن الطعام، أكثرهم يشنعون على التطبير والمطبرين ويستهزأون بهم ويصفونهم بشتى الأوصاف التي نسمعها كل عام مع حلول شهر محرم الحرام

وشتان بين الإضراب والتطبير إذا مو وضعا في ميزان الشرع والدين. إن التطبير ورد فيه الاستحباب والأجر، كيف لا والدم الذي يسيل من تلك الرؤوس الشريفة هو مواساة للإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام. بينما نجد في المقابل أن الدين لم يشرع في استحباب الإضراب عن الطعام، بل هو حرام في حال ضرره على الإنسان. لذلك فرجحان التطبير عليه لا يحتاج إلى بينة.

ثم هل تقارن المطالب الدنيوية والسياسية بمواساة المؤمنين لأهل البيت عليهم السلام؟ إنهم يزعمون أن التطبير فيه إيذاء للنفس -رغم عدم صحة هذه الدعوى-، أفلا يعد الإضراب عن الطعام إيذاءً للنفس كما تقدم؟ أم أن المسألة مسألة تصنيفٍ عن هوى! ما لكم كيف تحكمون. إضافة لذلك، لم نسمع يوماً من الأيام أن أحد المطبرين توفي بسبب التطبير، أما الإضراب عن الطعام فهناك شواهد كثيرة في وفاة المضربين عن الطعام، وقد يصل عددهم بالمئات إن لم يكن بالآلاف.

في الزيارة الناحية المقدسة يقول الإمام الحجة عجل الله فرجه "فلأندبنك صباحاً ومساء، ولأبكين عليك بدل الدموع دما". فالمتأمل لهذه العبارة يجد أن الإمام المنتظر يبكي دماً يومياً على مصاب أبي عبد الله الحسين ع. فهل يقول قائل أن الإمام يبالغ في كلامه (حاشا لله)؟ والسؤال الذي يطرح على المعترضين على التطبير: هل خروج الدم من الرأس أشد من خروجه من العين؟ أفلا تبصرون!

إن من يضع نفسه نداً للحسين ولشعائره لابد أن يقع ويسقط شر وقعةٍ وسقطة! فالإمام الحسين ع يأبى وهو أبو الإباء أن يترك محبيه وعاشقيه دون أن يمد لهم النصر والتوفيق.

لذلك ابقوا في اضرابكم عن الطعام من أجل أموركم الدنيوية -فلا أحد يستطيع أن يمنعكم منه- ودعونا في تطبيرنا على أهل البيت عليهم السلام من أجل أمورنا الأخروية. والملتقى والحساب يوم القيامة.

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

براءةُ السر والعلن



دائماً ما يكرر البترية أو بعض الشيعة أن الجهر بالبراءة غير جائز وحرام وما إلى ذلك من أحكام، وأن البراءة يجب أن تكون بين الشيعة فقط أو في السر، وذلك مراعاة للمخالفين وللوحدة الإسلامية المزعومة!

هنا لن أن أتحدث عن الحكم الشرعي لهذا الأمر والعمل بالتقية؛ فهناك من أشبعه بحثاً وتفصيلاً من العلماء باختلاف الرؤى والأفكار، وإنما حديثي هو عن كلام المخالفين للخط البرائي وقولهم أن البراءة تكون بين الشيعة بينهم فقط، وفي نفس الوقت ينشرون ذلك في جميع وسائل الاتصال الاجتماعي والمواقع والكتب أيضاً.

ومن خلال هذا النشر في تلك الوسائل الاجتماعية؛ يعني أن هذا الرأي يقرأه بلا شك ولا ريب البكرية والعمرية وحتى الطوائف الأخرى غير المسلمة، ما يدل على سذاجة المتمسكين بهذا الأمر!. فقراءة البكرية لها سيعرف أن رموزه يتبرأون منهم في السر والعلن! وليس هناك فرق بالنسبة له في ذلك!. فهل سمعنا يوماً أن بكرياً يقبل براءة الشيعة من رموزه الضالين في السر فقط دون العلن؟!

إن البترية والآخرين يقدمون التنازلات العقائدية للبكرية من أجل إرضائهم، فاليوم يرفضون الجهر بالبراءة ويبقون عليها سراً، إلا أن البكرية لن تقبل ذلك حتى تجعلهم يرفضون البراءة ككل وهم صاغرين! إن الله جل وعلا يقول في القرآن الكريم {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} البقرة ١٢٠. وهذه الآية الكريمة أجدها حسب فكري أنها تنطبق تماماً على مدعي التشيع "البترية" والبكرية من خلال التنازلات التي تتوالى دون أي نتيجةٍ تُذكر سوى الخزي في الدنيا والآخرة.

كما أننا لم نسمع يوماً من الأيام أن علماء البكرية الكبار خرجوا بفتوى تحرم التعرض لرموز الشيعة كأبي طالب عليه السلام -الذي يلعن ويكفر جهاراً- وكالإمام المهدي عجل الله فرجه والسيدة نرجس عليها السلام وغيرهم! بل أننا نجد أن علماء الشيعة أيضاً صامتين عن هذا الأمر إلا من رحم ربي! فأين هي غيرة علماء الشيعة على رموزهم وأئمتهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟ 

إن علماء الشيعة متحمسون جداً لاطلاق البيانات!؛ فما تجد بكرياً جرح إلا وخرجت تلك البيانات المنددة بالأمر من كلِ حدبٍ وصوب، بينما دماء الشيعة كالأنهار تجري ولا بيان واحد يشجب الأمر من علماء البكرية، وحتى من الشيعة في غالب الأمر.

إذاً، إذا كانت البكرية تعلم أنكم تتبرأون من رموزهم سواءً في السر أو العلن؛ وهم لا يقبلون ذلك، فلما تشنعون على من يجهر بالبراءة؟ فإما أن تقولوا إننا نكتفي بالسر وهذا مكشوف لدى البكرية، وإما أن تقولوا إننا لا نتبرأ أبداً وهذا مخالفة صريحة للدين الإسلامي المحمدي. وعليه فقد وضعتم أنفسكم في مأزق. فمتى تعودون إلى ذلك الدين الأصيل المتكون من البراءة والولاية؟!

كثيرة هي الأحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام في الحث على البراءة من أئمة الكفر والضلال، وقد قام الأئمة عليهم السلام بالبراءة علناً وبتسميتهم بأسماءهم. وكذلك فعل أصحاب الأئمة عليهم السلام نفس الفعل، ولعل أبرزهم الشاعر الكبير دعبل الخزاعي -رضوان الله تعالى عليه- الذي لا تخلو قصيدة من قصائده إلا وبها سب وشتم ولعن للظالمين. ومع ذلك لم نرى أو نقرأ أن الأئمة عليهم السلام قد أمروه بالسكوت رغم الظروف الصعبة في ذلك الوقت!

يقول دعبل الخزاعي في احدى قصائده:



يسودُ عليهم حبترٌ ثم نعثلٌ       ونغلُ صهاكٍ والجميعُ أراذلُ
فمنهم أجيرٌ لليهودِ معلمٌ        أبوهُ دعي ضائعُ الأصلِ خاملُ

إن مسألة البراءة جداً مهمة وضرورية في الدين الإسلامي، ويجب التعامل معها بحزم وعدم التهاون فيها وتمييعها من قبل المتمصلحين من هنا أو هناك. فبالبراءة يُعرف المؤمن الحقيقي من غيره، وإلا فالجميع يدعي محبة أهل البيت عليهم السلام؛ غير أنه حب ناقص ولا اعتبار له! فلا يجتمع حب الله مع حب الشيطان في قلبٍ واحد؛ وكذلك لا يجتمع حب أهل البيت ع مع حب أعداءهم.

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قيل له "إنّ فلان يواليكم، إلاّ أنه يضعف عن البراءة من أعدائكم؟ فقال(عليه السلام): «هيهات، كذب مَن ادّعى محبّتنا ولم يتبرّأ من عدوّنا»".

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

أيها الشيعة: لماذا لا نرفض الظالمين؟


أمرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في أكثر من آية برفض الظالمين وتوعدهم بالنار والخسران المبين. كما أمرنا بعدم الركون للظالمين في سورة هود بقوله عز وجل {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}.
لذلك فإن رفض الظالمين هي سنة من سنن الله تعالى التي فطر الناس عليها وأمرهم وحثهم على ذلك وإلا {وما كان ربك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون}. كما أن الله عز وجل لم يصنف الظالمين حسب الإثنية أو العرق أو المذهب، وإنما العقاب واللعن يشمل جميع الظالمين بلا استثناء. وبالتالي رفضنا للظالمين لا يكون حسب عرقه ومذهبه! وإلا أصبحنا ممن ركنوا وقبلوا للظالمين.
وللأسف هذا الذي نجده لدى غالبية الناس الشيعة في سكوتهم ورضاهم عن الظالمين بمجرد أنهم ينتمون لنفس المذهب والعرق! وتجدهم يقدسون شخصيات ظالمة رغم قتلها للمراجع والعلماء وقمعها للأبرياء -على سبيل المثال-.
وعندما تبحث عن السبب في تقديسهم أو رضاهم عن تلك الشخصيات، تجد من يقول أن هذا الشخص من سلالة الرسول الأكرم ص، أو أنه ينتمي لمذهبنا؛ وغيرها من الأعذار الواهية التي تضحك الثكلى. ولذلك لا يقول قائل أن الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أنهم قبلوا ظلم بني العباس -لعنهم الله- لأنهم ذا قرابة معهم! بل إنهم تجرعوا أشد أصناف العذاب على أيديهم أكثر مما فعله بنو أمية! لذلك يقول الشاعر:
تـالله مـا فــعلت عــلوج أمية
معــشار مـا فـعلت بنو العباس
ويقول آخر:
وظلم ذوي القربة أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهنّد
والقرابة إذا ما قورنت بالانتماء للمذهب على سبيل المثال فإنها سترجح كفتها.
إننا نجد كثير من الشيعة لا يألون جهداً في رفضهم ولعنهم للطغاة والظالمين من الطوائف الأخرى، بينما في نفس الوقت يغضون الطرف عن طغاتهم وظالميهم؛ بل ويلمعون صورهم، متناسين أن الظلم واحد. فلا فرق بين كون الظالم مسلماً أو غير مسلمٍ، شيعياً كان أم سنياً أو حتى ملحدا! ولذلك عندما خرج الإمام الحسين بن علي عليهما السلام على الطاغية يزيد بن معاوية (لعنه الله) رافضاً بيعته، أشار الإمام ع إلى مساوئ يزيد قائلاً (… ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر وقاتل النفس المحرمة ومعلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله).
بهذه الكلمات الرنانة أعلن الإمام الحسين ع عن ثورته ضد الطاغية يزيد لعنه الله، ولم يصنفه حسب عرقه أو مذهبه لكي يثور عليه، وإنما كما أشار أبي عبد الله ع في مجلس الوليد بن عتبة. إن ثورة الإمام الحسين ع على طاغية ذلك الزمان رفضاً للذل والظلم والعبودية، لا لاعتبارات أخرى. خرج الإمام عليه السلام رافعا هذا الشعار (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد).
لذلك تجد أن اسم الإمام الحسين ع يصدح في سماء الحرية، بينما الظالمين ذهبوا إلى مزبلة التاريخ. ويبقى الحسين ثائراً في وجه الطغاة، ليعلِّم الأجيال كيف يرفضون الظالمين بشتى مذاهبهم وألا يركنوا إليهم مهما رأوا منهم الشعارات البراقة المزيفة.