أول لقاء مع الحبيب |
من محاسن التقنية أنها تذكرك بصور ومناسبات لأعوام سابقة فتتذكر معها عبق الماضي، والأيام الجميلة التي عشتها آنذاك فالتقطت فيها أجمل الصور!
هكذا يذكرني ألبوم الصور التابع لجوجل يوميا بصور ولقطات أخذتها على ما يربو على عشر سنوات، لأرى اليوم صورا كانت لأول لقاء مع الحبيب!
إنه عام 2014 -أي قبل 8 سنوات تحديدا- في شهر يوليو الذي كان يصادف شهر رمضان المبارك لسنة 1435 هجرية، كنتُ قد قررتُ الذهاب زيارة إلى لندن، أقصد إلى أرض فدك الصغرى، للالتقاء بالشيخ ياسر الحبيب والإخوة هناك.
تمكنتُ من الحصول على الفيزا، وحجزت تذكرة على الخطوط البريطانية -على ما أتذكر-. وصلت إلى أرض فدك الصغرى وذلك بعد يومين من احتفالهم بهلاك عدوة الله عائشة بنت أبي بكر، في التاسع عشر من شهر رمضان.
وصلت وكنت أظن أنني سألتقي بسماحة الشيخ مباشرة -ولكن يا لسوء حظي- لم أكن أعلم وقتها أن الشيخ يبث الليالي الرمضانية -الملفات الإبليسية- من منزله بسبب آلامٍ في ظهره!
بقيتُ أنتظر هذا اللقاء المرتقب حتى مضى أسبوع على قدومي إلى أرض فدك، وما بقي إلا أياما قليلة لرجوعي إلى القطيف، حتى تملكني اليأس من لقاء الحبيب!
مضت الأيام .. واليوم هو الرابع والعشرين من شهر رمضان، ذهبنا للمسجد ظهرا وأبلغوني أن الشيخ قد يأتي للمسجد! مضت الساعات بشكل بطيء جدا! دخل وقت أذان المغرب وصلينا، ثم وضعوا السفرة للإفطار -والشيخ لم يأتِ بعد!- جلسنا نفطر وكانت الساعة بعد العاشرة مساء!
هنا فجأة دخل الشيخ من الباب الرئيس للمسجد فدخلتني الرهبة -وما زالت- من سماحته، فقمت من مكاني وسلمت عليه وقبلت جبينه، ثم عدنا لإكمال الإفطار.
بعدها جلسنا مع الشيخ وسألني عن حالي وعن القطيف وإلى غيرها من مسائل، ومن جملة ما طلبه مني هو الهجرة والعمل باتحاد خدام المهدي عليه السلام، وبدا لي وقتها أن بعض الإخوة كانوا يطلعون سماحته على بعض المقالات التي كنت أكتبها.
كان الشيخ مصرا على هجرتي حتى قال مازحا "اسحبوا جوازه واذهبوا به غدا إلى الهوم أوفيس ليقدم على اللجوء"! قلت للشيخ إن فكرة الهجرة في فكري، ولكن أحتاج إلى مزيد من الوقت لترتيب بعض الأمور.
ما أعجبني بالشيخ أنه كان أريحيا في التعامل -وما زال- ولم يكن بذاك الذي يتصنع، وهذا الذي ستعرفونه بالأسطر التالية!
مضت الساعات سريعا ونحن جالسون مع الشيخ وبعض الإخوة وهو يجيب عن الأسئلة، وعقارب الساعة تشير الآن إلى الساعة 3:09 فجرا، عندها طلبتُ من الشيخ أن يكتب لي موعظة أو وصية فقدمت إليه ورقة، فكانت:
بسم الله الرحمن الرحيم
"قل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك" _ الكاظم صلوات الله عليه.
"إن لنا حقاً ابتزّه معادن الأُبَن" _ الصادق صلوات الله عليه.
وما بين هذين يُعلم كيف تكون الروح الرافضية الثورية في الإنسان المؤمن، وإلى من يستهدف.
ياسر الحبيب
فجر الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك لسنة خمس وثلاثين وأربعمئة وألف من الهجرة النبوية الشريفة
بعدها طلب الشيخ من بعض الإخوة بكي قماش عمامة كان قد أتى بها، فقام عبد الله الخلاف بفرشها على الأرض وكيها، ومن ثم طلب منهم بلفها بشكل دائري، إلا أن عملية لف العمامة كانت صعبة -على ما يبدو-، وقطع إكمالها أذان الفجر في الساعة 4:15، حيث صليت جماعة بإمامة الشيخ لأول مرة.
بعد ذلك قام الشيخ بإكمال لف العمامة بنفسه بعد أن نزع البشت -العباء السوداء- وبقي بالجبة! وجلسنا بعد ذلك فكان الشيخ يوصي هذا ويحث ذاك.
وصلت الساعة 6:35 صباحا وكان لهذا اللقاء أن ينتهي، لكنه ما زال محفورا في الذاكرة، ومحفوظا في ألبوم الصور، وبالفعل غادر الشيخ المسجد بعد أن قضى 8 ساعات تقريبا معنا، رغم مشاغله ومعاناته مع آلام الظهر!
كان هذا اللقاء الأول مع الحبيب، وقد سجلت ما علق في الذاكرة، فإن 8 سنوات كفيلة أن تمحي كل الذكريات.
قال الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق: (وحق سائسك بالتعلم، التعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والاقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحدا يسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدث في مجلسه أحدا، ولا تغتاب عنده أحدا، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس عدوه، ولا تعادي له وليا، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه عز وجل لا للناس).
بقلم/ محمد أبو سلطان
