الأحد، 31 أغسطس 2014

الدوانيقي والصادق بين الأمس والحاضر

منذ بدء الخليقة؛ توالت العديد من الحكومات والرئاسات التي حكمت دول العالم، وتغيرت كثيرٌ من الوجوه الحاكمة، إلا أن أولئك الحكام والرؤساء كانوا جميعهم متشابهين في الظلم والاضطهاد للشعوب المحكومة على حدٍ سواء. ولا تجد هناك اختلافاً بينهم في الفكر المتطرف والعدائي، فكل واحدٍ منهم يكرر سيرة من يسبقه.

مرت في الأيام القليلة الماضية ذكرى شهادة الإمام جعفر الصادق -عليه السلام- واستمعنا جميعاً كيف أنه عليه السلام عانى كثيراً من التضييق والاضطهاد الشديدين من حكومة أبي جعفر المنصور الدوانيقي -لعنه الله-.

لقد مارس المنصور الدوانيقي -لعنه الله- أشد أنواع الظلم والعذاب ضد كل من يخالفه ويخالف حكومته حتى من أقرب الناس إليه. فقد قام بقتل أبو مسلم الخراساني، وهو القائد الأول للإنقلاب العباسي على الدولة الأموية، لبغضه إياه، وبالمكيدة والحيلة أرداه قتيلاً.

وفي ذات الوقت، كان الإمام الصادق -عليه السلام- منشغلاً في تثقيف الأمة ونشر العلوم الإسلامية، حتى قام بتأسيس جامعة أهل البيت -عليهم السلام- والتي تجاوز عدد طلابها ٤٠٠٠ آلاف طالب من مختلف أقطار العالم.

ومن أهم أسباب تأسيس هذه الجامعة؛ مواجهة الأفكار المنحرفة والتيارات الإلحادية التي انتشرت في تلك الحقبة الزمنية، وكذلك ابتعاد الناس عن فكر أهل البيت عليهم السلام، وغيرها من الأسباب.

لم يكن هذا الأمر يعجب المنصور الدوانيقي -لعنه الله- فراح يخطط لعرقلة مشاريع الإمام الصادق -عليه السلام- بل إلى قتله في نهاية الأمر، وذلك بعدة اتجاهات وأساليب. فتوعية الناس وإرجاعهم لآل محمد -صلوات الله عليهم-؛ يعني أن زوال الحكم وضياعه من أيديهم وعودته إلى مستحقيه.

بتلك المشاريع النهضوية التي قام بها الإمام الصادق -عليه السلام- وتخرج العديد من الطلاب بمختلف العلوم من بين يديه؛ ازداد عدد الحشود التي كانت تحضر من مختلف أقطار العالم والتي تؤمن "بأعلمية" الإمام الصادق -عليه السلام- وبأنه إمام مفترض الطاعة، والتفافها حوله؛ دفعت حكومة الدوانيقي للحد من هذا الأمر الذي يشكل خطراً عليها.

لذلك استخدم المنصور -لعنه الله- في مخططه ضد الإمام الصادق -عليه السلام- ثلاثة اتجاهات رئيسية بحسب ما ذُكِرَ  في كتاب "أعلام الهداية - الإمام الصادق".

في الإتجاه الأول؛ اتخذ أسلوباً مرناً للإستفادة من جهود الإمام -عليه السلام- واحتوائه سياسياً، من أجل تقنين وشل حركة الإمام الصادق -عليه السلام- النهضوية بطريقة غير مباشرة.

وفي الإتجاه الثاني؛ قام المنصور بنشر عيونه وجواسيسه لمراقبة حركة الإمام الصادق -عليه السلام- ورصد نشاطاته وتزويده بآخر المعلومات. حتى يجعل من تلك المعلومات دافعاً للتضييق والنيل من الإمام عليه السلام. وكل هذا خوفاً على كرسي الحكم من ذهابه منه.

أما في الإتجاه الثالث والآخير؛ فقد استخدم المنصور أسلوب الاستدعاءات والمقابلات المصحوبة بالتهم والإفتراءات، لإعاقة حركة الإمام الصادق -عليه السلام- والحؤول بينه وبين توعية الأمة الإسلامية.

كما قامت الحكومة العباسية بتسليط الضوء على بعض الشخصيات"البالونية" الموافقة لسياسة الحكومة؛ لتكون بمصاف الإمام الصادق -عليه السلام- في العلم والفتيا ولتكون بديلاً عنه بخداع الناس! ولذلك تجد هناك عدة مذاهب ومدارس بمسمياتهم.

هكذا يلاحظ المتتبع لسيرة الحكام الظالمين (السابقين والمعاصرين) كيف أنهم يستخدمون نفس الإتجاهات والأسلوب التي استخدمها أبو جعفر المنصور -لعنه الله- مع الإمام الصادق -عليه السلام- للنيل منه وإبعاده عن الأمة بغية عدم تبصرتها.

فكم عدد العيون والجواسيس المنتشرة بين أزقة وبيوتات المراجع، وكم يعاني أعلام الأمة من تضييق واضطهاد من الحكام، لا لشيء؛ سوى لأنهم ينشرون ويعلّمون الناس تعاليم أهل البيت -عليهم السلام- بعدما راجت أفكار المنحرفين بينهم؟ وكم عدد المؤسسات والحسينيات التي أغلقت والتي ستغلق؟! كل ذلك بسبب الحقد والغيرة والخوف من سقوط الحكم، فهم على استعداد لقتل الجميع من أجل السلطة. رغم عدم وجود أحدٌ ينازعهم فيها!

ويبدو إن التاريخ يعيد نفسه بكل تفاصيله وإنْ اختلفت الشخصيات والمسميات، إلا أن الظلم هو نفسه بكل حذافيره، والخوف أن يتكرر القتل في ظل صمتٍ مطبقٍ من الجميع!

لذلك؛ علينا أن نتعلم من التاريخ جيداً وأن نقف في وجه الظالمين مهما تلبّسوا بلباس الورع والتقوى وأصبغوا على أنفسهم هالة من القداسة. فمن وصايا أمير المؤمنين علي -عليه السلام- "كن للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً".

بيد أن نشير إلى أن النهضة الثقافية للإمام الصادق -عليه السلام- هي التي بقت، ولا يزال ذكره صلوات الله عليه باقياً ما بقي الدهر، لكن أين تجد ذكرٌ للمنصور الدوانيقي -لعنه الله- وحكومة بني العباس؟ فهل من متعظ؟!

الاثنين، 18 أغسطس 2014

الشيعة وشرعنة الظلم!

يستاء الكثير من الناس بشتى طبقاتهم حينما تقمع حرياتهم وتُمارس عليهم أساليب الاضطهاد، وترى بيانات الشجب والاستنكار والسخط تترى رافضين تلك الانتهاكات والقيود في حرية التعبير.

تلك الحالة (أي الاستنكار) هي حالة صحية وفطرية في نفس الوقت، لأن الإنسان بذاته جُبِلَ على الحرية ورفض القمع والاضطهاد. فلو أن دولةً ما؛ قامت بغلق مؤسسات اجتماعية أو دينية؛ فإن دور المجتمع بجميع مكوناته هو الاستنكار لذلك الفعل الذي يخالف حقوق الإنسان وحريته.

وبغض النظر عن المسائل القانونية؛ من أن تلك المؤسسة مرخصة أم لا، فإن المجتمع لن يكترث لمثل هذه الأمور، خاصة وأن الدولة الفلانية لا تعطي تراخيص لمثل تلك المؤسسات أو الحسينيات -على سبيل المثال-. لذلك تبقى هذه الإشكالية لا اعتبار لها في نظر المجتمع. وستبقى مسألة الإدانة والشجب هي الحاضرة بصورة كبيرة.

وعلى سبيل المثال؛ لو قامت الدولة التي نعيش بين ظهرانيها بإغلاق جميع الحسينيات بدعوى أنها غير قانونية وتخالف قوانين الدولة؛ هل سيصمت المجتمع عن ذلك؟ وهل الناشطون الحقوقيون سيؤيدون ذلك القرار؟ وهل العمائم السوداء أو البيضاء سيغضوا النظر؟ بالطبع لا. بل المتوقع هو رفض القرار وتصعيد الأمر لأعلى درجة. بالرغم أن القرار صحيح بذاته! فهل يقول عاقل أن قرار الحكومة صحيح ويجب تطبيقه؟!

وكم سمعنا وشاهدنا الشجب والسخط لمجرد استدعاء أحد المسؤولين بالمؤسسة الفلانية من قبل الأمن واستجوابه وتوقيعه لتعهدات، والأمثلة كثيرة حول ذلك.

وللأسف الشديد أن تلك الحالة الصحية التي نجدها بالمجتمعات الشيعية على مستوى المنطقة، تكاد تختفي عندما تتعلق أخبار قمع الحريات وإغلاق المؤسسات الاجتماعية والدينية في الجمهورية الإيرانية! بل والأنكى من ذلك؛ تجد من يؤيد تلك التصرفات الرعناء ومباركاً لها! وتجد من يرفض التدخل كونه له ارتباطات مع نظامها! أو من يزعم أن الحديث حول ذلك يمزّق الوحدة الاجتماعية!

وكم هو مخجل أن ترى عمائم وحقوقيون يؤيدون النظام الإيراني في ظلمها، في حين يفترض بهم أن يكونوا مع المظلوم، وأن يقولوا كلمة الحق٬ مهما كان اختلافهم مع الطرف الآخر.

هذا الأمر إنما هو ازدواجية في المعايير يعيشها كثير من الشيعة، خاصة عندما يتعلق الأمر "بدولة العدل الإلهي"، وكأن حقوق الإنسان وحرية التعبير تختلف من دولة لأخرى! فإذا كان الظلم حرام في تلك الدول العربي -التي ترفض ظلمها-، فهو حرام أيضاً في إيران.

إن على الإنسان أن يدرك تماماً ما يقوم به، فمسألة الرضا والقبول بما يقوم به النظام الإيراني من قمعه للحريات وإغلاقه للمؤسسات والقنوات الدينية، إنما هي شرعنة للحكومات العربية -بشكلٍ أو بآخر- للقيام بنفس الدور. ولذلك حينما تقوم دولة عربية ما باضطهاد الشيعة فلا تلوموا إلا أنفسكم، لأنكم مهدّتم لهم الطريق بالظلم.

كما أن الأمر خلاف الورع والتقوى، فمن يقبل عمل الظالمين فهو شريك معهم في الظلم. قال الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- "من أحب عمل قومٍ أشرك في عملهم" [بحار الأنوار]. وقال الله عز وجل "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" [هود ١١٣].

إن ما يقوم به النظام الإيراني من ظلم إنما هو نسخة كربونية لما تقوم به الأنظمة العربية، إلا أن الأول يتجلببُ بجلباب التشيع. لذلك على الشيعة المنخدعين بهذا النظام أن يراجعوا أنفسهم ويروا هل أن ما تقوم به هذه الدولة هو مصداق للظلم أم العدل؟! وحتى يعرفوا الإجابة؛ فقط ضعوا اسم دولةٍ أخرى مكان اسم "إيران"! وحتماً سيعوا الإجابة إن كانوا مصداقاً للآية الشريفة "وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ"[الحاقة ١٢].

أخيراً، نسأل الله العلي القدير أن يحفظ سماحة السيد المرجع آية الله العظمى الصادق الشيرازي "دام ظله" من كيد الأعداء وأن يسدد خطاه تحت رعاية المولى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.