الأربعاء، 20 نوفمبر 2013

فليمت الآلاف في سبيل احياء الشعائر الحسينية

حث أئمة أهل البيت عليهم السلام على احياء مراسم عاشوراء الإمام الحسين -عليه السلام- بشتى أصنافها في أحاديثهم ورواياتهم في فضل زيارة عاشوراء وما لها من أجرٍ عظيم ومنزلة لا ينالها إلا زوار أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-.

إن هذا الحث والإصرار من الأئمة -عليهم السلام- على شيعتهم والموالين لهم هو الذي أوصل قضية الإمام الحسين -عليه السلام- إلينا وأبقاها ذكرى خالدة منذ يوم العاشر من شهر محرم الحرام لعام 61 هـ ليومنا هذا، فترى المؤمنين يحييون هذه الذكرى الأليمة في شتى بقاع العالم ملتزمين بقول الأئمة -عليه السلام-. يقول الإمام الصادق -عليه السلام- في حديثٍ له مع فضيل"أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا"[بحار الأنوار ج44 ص282 حديث14]. وما هذه المجالس التي تُعقد في الإمام الحسين -عليه السلام- إلا مصداق لهذا الحديث الشريف.

إن الأئمة -عليهم السلام- ذهبوا إلى أبعد من ذلك في مسألة الإمام الحسين -عليه السلام- وقضية كربلاء، فعندما يصرّح الإمام الحسن المجتبى -عليه السلام- قائلاً "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله"؛ تأتي روايات الأئمة -عليهم السلام- لتؤكد أن هذا اليوم وهذه الفاجعة هي استثناء وليس لها نظير أبداً. لذلك لم يأمروا الأئمة -عليهم السلام- باحياءها فقط وإنما احياؤها بالبكاء والتباكي الشاملة لمغفرة الذنوب وإن كانت كزبد البحر؛ حتى وإن كانت تلك الدمعة مثل جناح الذبابة! [بحار الأنوار ج44 ص285] أفلا يُعد هذا الأمر سراً غيبياً؟ فما قيمة هذه الدمعة حتى تغفر الذنوب لولا أن الأئمة -عليهم السلام- يريدوا بذلك بقاء هذه القضية المفجعة في قلوب المؤمنين وألا تكون في طي النسيان، لذلك يقول الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله- "إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا.. لا يذكره مؤمن إلا بكى" [مستدرك الوسائل ص318].  ولا يسع المقام لذكر كل الأحاديث التي تحث على البكاء والتباكي على مصيبة أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-.

 وكثيرٌ هي روايات الأئمة -عليهم السلام- في الحث على زيارة أبي عبد الله الحسين -عليه السلام- ووجوبها على الرجال والنساء أيضاً. يقول الإمام الصادق -عليه السلام- "يا أم سعيد تزورين قبر الحسين عليه السلام؟ قالت: قلت: نعم، قال: يا أم سعيد زوريه فإن زيارة الحسين واجبة على الرجال والنساء" [وسائل الشيعة ج14 ص437]. وما لفظة الوجوب في هذا الحديث الشريف إلا إصرار من الأئمة -عليهم السلام- لبقاء قضية عاشوراء باقية ما بقي الدهر.

بل إن زيارة الإمام الحسين -عليه السلام- وصلت إلى أنها لا تسقط حتى وإنْ صاحبها الخوف والخطر! حيث يقول الإمام الصادق -عليه السلام- في حديث طويل مع ابن بكير "أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين -عليه السلام- تحت العرش .." [كامل الزيارات ص243].

ولذلك تجد أن زوار الإمام الحسين -عليه السلام- لم يتوقفوا عن الزيارة منذ مقتل الإمام الحسين -عليه السلام- وحتى يومنا هذا، رغم سعي الحكومات المتتالية لمنع المؤمنين من أداء الزيارة واستخدامهم شتى أنواع التعذيب من قطع الأيدي والأرجل والسجن والقتل كما كان في عهد المتوكل العباسي "لعنه الله"، وصولاً بتفجير السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، فذهب الكثير من المؤمنين شهداء في سبيل احياء شعائر الإمام الحسين -عليه السلام-.

يقول المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي -دام ظله "إن الهدف من ذلك (أي الشعائر الحسينية) هو بيان وتأكيد أنه لماذا قتل الإمام الحسين صلوات الله عليه. وهذا الذي يجب أن يبقى حيّاً وخالداً وإن استوجب أو أدّى إلى قتل الألوف من المؤمنين والمؤمنات ومن الأتقياء والصالحين" [الشيرازي]إن هذه الأرواح التي تزهق وتمسّك المؤمنين بأداء الشعائر الحسينية المقدسة هي التي أبقت قضية مقتل الإمام الحسين -عليه السلام- خالدةً لهذا اليوم.

ومع كل هذه الروايات التي تحث على زيارة الإمام الحسين -عليه السلام- مع الخوف والخطر؛ تجد من يشنّع على المؤمنين لقيامهم بذلك، متجاهلين كل تلك الروايات من الأئمة -عليهم السلام- وآراء المراجع العظام، ومتجهين للعقل والاستحسان اللذان لا يصمدان مع جميع الممارسات الدينية كالصلاة والحج على سبيل المثال.

وهذا الأمر ينطبق على شعيرة التطبير المقدسة والتي روَّج ضعاف النفوس في الأيام الماضية عن وفاة أحد المطبرين في يوم العاشر! وقاموا بالتطبيل والتهريج بهذا الخبر، غير أن الواقع قد أخرسهم بعد كشف بطلان هذا الخبر.

ومع ذلك، لو أن ذلك المطبر قد توفي بسبب التطبير؛ هل يستدعي أنْ يُشنَّع على ممارسة هذه الشعيرة المقدسة؟ ولو فرضنا جدلاً أنه مات؛ فالموت يأتي في أي حالة كنت عليها. فهناك الكثير ممن مات في موسم الحج؛ فهل يتم التشنيع ضد هذه الشعيرة بسبب موت بعض الحجاج؟! يقول آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي -دام ظله- بهذا الخصوص "حتى في موسم الحجّ يموت بعض الحجّاج، وهذا أمر بديهي وطبيعي، وكذلك قد يموت بعض اللاطمين في عزاء اللطم، ولكن هذا لم يحصل في تلك الشعيرة (التطبير) أبداً". ويكمل دام ظله "نعم، ليس المبنى أن تحدث معجزة في الشعائر الحسينية المقدّسة دائماً. فإن تعرّضتم أيها المقيمون للشعائر الحسينية المقدّسة لمشكلة أو أذى فلا تهتموا لذلك" [الشيرازي]

أخيراً، إن أي قضية مقدسة تحتاج إلى زهق الأرواح وبذل الأنفس من أجل احياءها، فما بالنا بقضية كقضية عاشوراء الإمام الحسين -عليه السلام- والتي هي استثناء في كل شيء! فهناك كثير من الشخصيات ضحّت بنفسها في قضايا لا تمت للدين بصلة؛ إلا أنها تعتبر رمزاً من الرموز ويفتخرون بها! غير أن الأمر يُعد قبيحاً في نظر البعض إذا ارتبط ذلك بالإمام الحسين -عليه السلام-. لذلك يجب على المؤمنين ألا يهتموا لتلك الأصوات النشاز؛ فالأجر على قدر المشقة و"من المؤسف أن لا يتعرّض الإنسان حتى لمشكلة واحدة في سبيل إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة. ولذا على الذين يتعرّضون للمشاكل أن يفرحوا ويسرّوا، ولا ينزعجوا ولا يتأذّوا[الشيرازي].

السبت، 2 نوفمبر 2013

النظرة السلبية الإنتقائية في شهر محرم الحرام



ما إنْ تقترب أيام محرمٍ الحرام إلا وتأتيك النصائح من كلِ حدبٍ وصوب، تارةً تكون هذه النصائح موجهةً للنساء وعن الحشمة وما إلى ذلك من نصائح تخصهن. وتارة تكون النصائح للشباب ودورهم في أيام عاشوراء الحسين -عليه السلام-، وحتى المضائف لم تسلم من تلك النصائح، خاصة أن الموجهين لتلك النصائح يريدوا (حسب رؤيتهم) أن يُظهِروا موسم عاشوراء بشكلٍ حضاري ومتفق مع القيم والمبادئ الإسلامية.

كل ذلك لا خلاف عليه؛ ولا يوجد شك في نواياهم، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كل تلك النصائح لا نجدها إلا في موسم عاشوراء؟ ولماذا لا نجدها في مواسم أخرى؟ إننا قد نتفق معهم على أن موسم عاشوراء حالة خاصة واستثناء، ولكن ألا تعد تلك النصائح من القيم والمبادئ الإسلامية التي من المفترض أو الواجب أن يكون الجميع ملتزماً بها على مدى الأيام والأزمان؟! لا فقط في موسم عاشوراء!

هناك كثيرٌ من المخالفات الشرعية التي تحدث على مسمع ومرأى الجميع، غير أننا لا نجد تلك النصائح بذاك الكم الهائل الذي يظهر بموسم عاشوراء! وخير مثال على ذلك، تلك المهرجانات التي تقام سنوياً في المنطقة والتي بها الغث والسمين وانتهاك للحرمات، غير أننا نجد التصفيق والتطبيل لها بداعي الإنفتاح والتحضر! 

لم نسمع أحداً قد انتقد تلك المهرجانات وما بها من أمور يندى لها الجبين، كما لم تخرج أي نصيحة موجهة للنساء أو الشباب للالتزام بالمبادئ والقيم!  إلا القليل من المؤمنين الذي لم يُسمَع صوتهم أمام تلك الأصوات الصاخبة والتصفيق غير المبرر لتلك المهرجانات. 

من جهة أخرى، يطالب البعض المضائفَ من تقليل الوجبات التي تطبخ باسم الإمام الحسين -عليه السلام-، والسعي لاعطاء مساعدات مالية وطبية للمحتاجين عوضاً عن الوجبات، حيث أن الفقراء والمحتاجين بحاجة للمادة أكثر من الوجبات. قد يكون الأمر صحيحاً، ولكن هل تلك المضائف الحسينية وظيفتها مساعدة المحتاجين مادياً؟ 

إن هذه الفكرة لا تختلف عن فكرة استبدال الناصفة "الروبيان والحلويات" بالعملة النقدية -التي انتشرت قبل عام تقريباً-؛ بحجة المحافظة على صحة الأطفال! وكأن الأطفال صحيين في كل الأيام ما عدا بناصفة شهري شعبان ورمضان.

كذلك، لا أعلم لماذا يتم المطالبة بالترشيد والتقليل بمضائف الإمام الحسين -عليه السلام- فقط! ونحن نرى كيف هو التبذير في ولائم الأعراس والمناسبات العائلية والمؤتمرات واللقاءات الإسلامية! فهل الأمر حرام مع مضائف الإمام الحسين -عليه السلام- وحلال في تلك المواضع؟! أليس من الأولى تقديم النصيحة لهم ؟!

إن مساعدة الفقراء أمرٌ واجب وعلى الجميع المشاركة فيها، إلا أن هناك جمعيات خيرية مخصصة للفقراء يجب أن يوجه لها السؤال في حال تقصيرها تجاه أي فقيرٍ في البلدة، أما مطالبة المضائف بتقليل الوجبات لمساعدة الفقراء فهذا يعني إلغاء هذه النعمة في المستقبل ولكن بصورة تدريجية كما يبدو ذلك في كل شعائر الإمام الحسين -عليه السلام-.

يقول الإمام أبو الحسن -عليه‌ السلام- (من موجبات المغفرة إطعام الطعام). [وسائل الشيعة 21680 ص 329 ]، فكيف إذا ارتبط هذا الطعام باسم المولى الإمام الحسين -عليه السلام-؟ وهو من الأمور المستحبة لا شك ولا ريب كما ذكر مراجعنا العظام بهذا الخصوص في فتاواهم.

وإن سلَّمنا أن هناك إسراف، فبالامكان عمل لجان أهلية لتوزيع الأطعمة على المؤمنين وحتى المقيمين في نفس المنطقة. وهناك العديد من المقترحات في هذا المجال الذي لا يسع المقال لذكرها، ولها بحثها الخاص. والتي تغنينا عن الحد أو التقليل من تلك الوجبات التي هي بركة وطهر للبطون والنفوس في آنٍ واحد.

إن الأمر المضحك والمبكي في نفس الوقت أن أحد المهرجانات في المنطقة استهلك ما يقارب 50 ألف ريال لرمي "الدوخلات" في مياه الخليج في عادة اجتماعية سنوية قديمة ليست لها بعد ديني![1]. ومع ذلك لا نجد اي اعتراضٍ على ذلك الأمر، وهذا يعني أن مئات الآلاف ترمى دون حسيب أو رقيب. بل نجد أن هناك من يتفاخر بذلك كونه مشاركاً أو مساهماً في هذه العادة! ألا يجب صرف هذه المبالغ على الفقراء والمحتاجين؟ أم أن الأمر متعلق فقط بشعائر الإمام الحسين -عليه السلام-!

إننا حقيقة لا نلتفتُ إلى تلك الأمور التي ضيعت هوية البلد الشيعي من مهرجانات ومحافل وطرب صاخب، إلا أننا متيقضون وواعون جداً لتلك الأمور المرتبطة بالإمام الحسين -عليه السلام- ما إنْ يقترب موسم عاشوراء الحسين -عليه السلام-! حتى أصبح عاشوراء في مخيلة البعض أنه موسم المخالفات الشرعية؛ لا موسم العَبرة والعِبرة!

نعم، إننا بحاجة ماسة لتقديم النصائح والإرشادات للأخوة والأخوات، ولكن لا يكون ذلك انتقائياً لموسم ٍدون آخر، وإلا فــ {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى}.

نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ممن يبذلون الغالي والنفيس لحضرة المولى أبي عبد الله الحسين -عليه السلام-، وأن يجعلنا ممن يقتدون بنهجهم صلوات الله عليهم وسلامه.